رجوع
تم التحديث: أبريل 14, 2026

هل مقولة أنَّ «90% من المتداولين يخسرون المال» صحيحة؟ لدى البيانات الجواب، فماذا لديها لتقول

في هذا الدليل الإرشادي، ستتعرَّف على الحقيقة الكامنة وراء المقولة المتداوَلة كثيرًا التي تفيد بأنَّ 90% من المتداولين يخسرون المال. سنستعرض بالتفصيل ما تظهره البيانات بالفعل بهذا الخصوص، ولماذا يواجه المتداولون الأفراد (بالتجزئة) صعوبات متكرِّرة، وكيف يمكن للتوقُّعات الواقعية أن تغيِّر منهجيتك. ستكتشف الأسباب الرئيسيَّة التي تقود المبتدئين إلى الإخفاق — بدءًا من الإفراط في استخدام الرافعة المالية والإفراط في التداوُل، وصولًا إلى تجاهل إدارة المخاطر — وما الذي يفعله القلَّة التي تحقِّق أرباحًا بصورة مختلفة. ومن خلال الإلمام بالمخاطر الحقيقية وتعلُّم كيفية إدارتها، يمكنك التعامل مع التداوُل وفق استراتيجية أكثر ذكاءً وانضباطًا بدلًا من مطاردة الأوهام أو السعي وراء أرباح سريعة.

الإجابة الصريحة هي أن عبارة «90% من المتداولين يخسرون المال» لا تستند إلى رقم رسمي واحد صادر عن جهة تنظيمية عالمية واحدة. لكنها ليست مُجرَّد مقولة بلا أساس أيضًا. فعند النظر إلى قِطاعات السوق التي تشهد أكبر تعرُّض للمتداولين الأفراد للمُضاربة قصيرة الأجل المُعزَّزة بالرافعة المالية، ولا سيَّما عبر عقود الفروقات (CFD) والمراهنة على فروق الأسعار، تكشف بيانات الإفصاح الصادرة عن المنصَّات بموجب التزاماتها التنظيمية عن صورة قاسية ومتكررة. وفي هذا الصدد، أشارت هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA) في تحذيرها المعياري الخاص بعقود الفروقات (CFDs) إلى أنَّ ما بين 74% و89% من حسابات المستثمرين الأفراد (بالتجزئة) تخسر المال، ولا تزال بيانات الإفصاح الحالية لدى منصَّات الوساطة الماليَّة تُظهِر صورة مشابهة إلى حدٍّ كبير، إذ تتضمَّن الأمثلة الحديثة نسبة حسابات خاسرة قدرها 68% لدى شركة CMC Markets في المملكة المتحدة، و68% لدى شركة IG في المملكة المتحدة، و71% لدى شركة IG الدولية. وبعبارة أخرى، فإنَّ نسبة «90%» يُفضَّل فهمها على أَّنها تحذير تقريبي، لا إحصائية ثابتة عالمية، لكن الرسالة الجوهرية الكامنة وراءها حقيقية، وتقول: معظم حسابات التداوُل لدى المتداولين الأفراد (بالتجزئة) تخسر المال.

وهذه نقطة مهمَّة ينبغي الانتباه إليها. فهذه النِسب مرتبطة بكل مزوّد خدمة على حدة وتتعلَّق بمنتجات التداوُل المُعزَّزة بالرافعة المالية، ولا يمكن اعتبارها انعكاسًا لنتائج كل شخص اشترى سهمًا يومًا ما، ولا لكل مستثمر يمتلك صندوق مؤشرات، ولا تسري على كل الاستراتيجيات في كل الأسواق. ومع ذلك، فهي أكثر فائدة بكثير من الروايات العامَّة المتداوَلة في المنتديات، لأنَّها تستند إلى بيانات إفصاح تنظيمية دقيقة، تُلزَم الشركات بعرضها بوضوح للعملاء المحتملين.

ولكن، من أين جاءت عبارة «90% من المتداولين يخسرون المال»؟

جزء من السبب وراء استمرار هذه العبارة لفترة طويلة بسيط: فهي تختصر حقيقة معقَّدة في جملة واحدة. فلطالما ردَّد المتداولون لسنوات صيغًا مختلفة لما يُعرَف باسم «قاعدة 90/90/90» (وهي مقولة شائعة تفيد بأنَّ 90% من المتداولين يخسرون 90% من رأس مالهم خلال أول 90 يومًا من التداوُل)، لأنها تعبِّر عن صعوبة اكتساب مهارة التداوُل النشِط قصير الأجل بطريقة يسهل تذكُّرها وتبدو مباشرة وواضحة.

والمشكلة ليست في أنَّ هذه العبارة متشائمة أكثر من اللازم. بل المشكلة أنَّها توحي بدرجة من الدقة لا تدعمها الأدلَّة. فلا يوجد جدول بيانات شامل يثبت أنَّ 90% بالضبط من جميع المتداولين عبر أسواق الفوركس وعقود الخيارات والعقود الآجلة والأسهم والعملات الرقمية وعقود الفروقات (CFDs) يخسرون المال بالطريقة نفسها. لكن بالمقابل لدينا ما هو أكثر فائدة، ألا وهو: بيانات الإفصاح الصادرة عن منصَّات الوساطة الماليَّة الخاضعة للتنظيم، والدراسات الأكاديمية، وموارد حماية المستثمرين، وكلها تشير إلى الاتجاه نفسه. فالتداوُل قصير الأجل صعب بطبيعته، واستخدام الرافعة المالية يجعله أكثر صعوبة، ومعظم المبتدئين يستخفُّون بكلا العاملين.

ما الذي تُظهره البيانات الخاضعة للمُتطلَّبات التنظيمية بالفعل

أقوى الأدلَّة العلنية تأتي من بيانات الإفصاح عن المخاطر الصادرة عن المنصَّات بموجب المُتطلَّبات التنظيمية. ففي أوروبا والمملكة المتحدة، تُلزَم منصَّات الوساطة الماليَّة التي تقدِّم عقود الفروقات (CFDs) للعملاء الأفراد (بالتجزئة) بعرض تحذيرات معياريَّة، بما يشمل أرقام خاصَّة بكل شركة حول نسبة حسابات العملاء التي تخسر المال. كما فرضت هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) إطارًا تنظيميًا لحماية المستثمرين في تداوُل عقود الفروقات (CFDs)، بما يشمل حدود الرافعة المالية، وقواعد الإغلاق الإجباري وفق مستوى الهامش (ضمان الصفقات المُعزَّزة بالرافعة المالية)، والحماية من الرصيد السلبي، والتحذيرات المعياريَّة.

والنقطة المهمَّة للقرَّاء هنا هي أنَّ النسبة الدقيقة تختلف من مزوّد إلى آخر ومع مرور الوقت، لكن النمط العام تقريبًا ثابت.

المصدرالجوانب التي يغطيهاالنِسب المعروضة
التحذير المعياري الخاص بعقود الفروقات (CFD) الصادر عن هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA)حسابات عقود الفروقات (CFD) الخاصة بالمتداولين الأفراد (بالتجزئة)من 74% وحتى 89% تخسر المال
شركة IG في المملكة المتحدةحسابات المراهنة على فروق الأسعار وعقود الفروقات (CFDs) الخاصَّة بالمتداولين الأفراد (بالتجزئة)68% تخسر المال
شركة IG الدوليةحسابات عقود الفروقات (CFD) الخاصة بالمتداولين الأفراد (بالتجزئة)71% تخسر المال
شركة CMC Markets في المملكة المتحدةحسابات المراهنة على فروق الأسعار و/أو عقود الفروقات (CFDs) الخاصَّة بالمتداولين الأفراد (بالتجزئة)68% تخسر المال

تُعدُّ هذه الأرقام مفيدة لأنها تستند إلى بيانات فعلية وخاضعة للتنظيم وحديثة بما يكفي لأخذها على محمل الجد. كما أنها تفسِّر سبب استمرار الادعاء القائل إن «90% من المتداولين يخسرون المال». فحتى عندما لا يكون الرقم الدقيق يبلغ 90% تمامًا، فإنَّ بيانات الإفصاح الواقعية تكون سلبية بما يكفي بحيث تبقى الخلاصة العملية واحدة: النتيجة الافتراضية لمعظم المتداولين الأفراد (بالتجزئة) في المنتجات المُعزَّزة بالرافعة المالية هي الخسارة لا الربح.

ما الذي تثبته — وما الذي لا تثبته — هذه البيانات

وفي هذا الجانب تحديدًا تبالغ كثير من المقالات في تبسيط الموضوع.

ما تُخبرنا به بيانات الإفصاح بالفعل هو أنَّ معظم حسابات المتداولين الأفراد (بالتجزئة) في منتجات التداوُل المُعزَّزة بالرافعة المالية تخسر المال. وهذه الحقيقة ليست مُجرَّد افتراض نظري. بل هي جزء من التحذيرات التي تُلزَم منصَّات الوساطة الماليَّة قانونيًا بعرضها.

لكن هذه الإفصاحات لا تعني أنَّ كل متداول محكوم عليه بالخسارة، ولا أنَّ جميع الأسواق تسلك المسار نفسه، ولا أنَّ النسبة نفسها تنطبق بالتساوي على كل أساليب التداول، من التداوُل المتأرجح (تداوُل السوينج أو التداوُل على المدى المتوسط) بالأسهم والتداوُل اليومي بالعقود الآجلة على مؤشرات الأسهم إلى تداول العملات الرقمية المُعزَّز بالرافعة المالية أو شراء الأسهم والاحتفاظ بها دون استخدام رافعة مالية. كما أنَّها لا تُثبت أنَّ كل حساب مُصنَّف كخاسر قد تعرَّض «للتصفية بالكامل أو خسر كامل رأس ماله». بل ما تُثبته هو حقيقة ذات طابع أكثر عملية وشمولية، ألا وهي: عندما يتداول الأشخاص العاديون بكثرة، وتحت الضغط، وباستخدام الرافعة المالية، تكون الاحتمالات في غير صالحهم.

وهذا التمييز بين ما تثبته البيانات فعلًا وما لا تثبته يجعل المقال أكثر مصداقية، بل وأكثر فائدة للقارئ أيضًا. فالقرَّاء لا يحتاجون إلى أسطورة قائمة على المبالغة. بل يحتاجون إلى فهم واضح لما تغطيه الأدلَّة بالفعل.

ويبقى السؤال، لماذا يخسر كثير من المتداولين المبتدئين المال؟

لكن البيانات ليست سوى جزء من الصورة الكاملة. فالسؤال الأكثر فائدة هو لماذا ينتهي المطاف بعدد كبير من الناس إلى الجانب الخاسر.

يبدؤون باستخدام الرافعة المالية قبل بناء المهارة اللازمة

وهذا على الأرجح العامل الأكثر أهمية.

فالرافعة المالية تجعل التداوُل يبدو أكثر جاذبية، لأنَّ أصغر تحرُّكات السوق قد تعني مكاسب أكبر من حيث النسبة المئوية. لكن المشكلة هي أنَّ الرافعة المالية تعمل طبعًا بالطريقة نفسها عندما تتحرَّك الأسواق في الاتجاه غير المواتي (لتضخِّم الخسائر تمامًا كما تضخِّم الأرباح). ولهذا السبب لم تكتفِ الجهات التنظيمية بطلب عرض التحذيرات، بل فرضت أيضًا حدودًا للرافعة المالية، وإجراءات حماية الهامش (ضمان الصفقات المُعزَّزة بالرافعة المالية)، والحماية من الرصيد السلبي للعملاء الأفراد (بالتجزئة). وتؤكِّد التوجيهات الإرشاديَّة الموجَّهة للمستثمرين والصادرة عن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) بشأن التداوُل اليومي الفكرة نفسها بمنتهى الوضوح: التداوُل اليومي ينطوي على مخاطر عالية، وغالبًا ما يعتمد على الأموال المقترضة (أي التداوُل بالهامش)، وكثير من المتداولين لا ينجحون في تجاوز مرحلة الخسائر الأولى.

وغالبًا ما يقع المبتدئ الذي يمتلك حسابًا صغيرًا في الخطأ نفسه: إذ يفترض أن الطريقة الوحيدة لتحقيق عائد ملموس هي التداوُل بأحجام أكبر ممَّا ينبغي. وغالبًا ما يقود ذلك إلى إحدى نهايتين. إما أن يتكبَّد الحساب خسائر سريعة، أو يصبح المتداول شديد التأثر بكل حركة سعرية صغيرة بحيث يفقد أي انضباط أو منهجية عقلانية في التداوُل.

يعتقد المتداولون أنَّ كثرة التداول تعني بالضرورة التقدُّم

يعتقد كثير من المتداولين الجدد أنَّ الانشغال المستمر يعني أنهم يتعلَّمون. ولهذا يسعون للتداوُل باستمرار. ويدخلون صفقات لا تتوفَّر فيها شروط واضحة. ويعودون مجددًا إلى السوق بلا وعي سعيًا للتعويض بعد التعرُّض للإغلاق الإجباري. ويحاولون اللحاق بالحركة السعرية التي فاتهم الدخول فيها قبل دقائق. ونتيجة الفوضى السابقة، ما يبدو وكأنَّه جهد غالبًا ما يكون مجرَّد استنزاف للحساب من خلال نشاط مفرط غير مدروس.

وقد حذَّرت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) من ذلك لسنوات. فالتداوُل اليومي ليس محفوفًا بالمخاطر فحسب، بل هو أيضًا مكلف ومجهد ويتطلَّب قدرًا كبيرًا من التركيز. فللتكاليف أهميتها، وكذلك الإرهاق. فالسوق لا تكافئ الجهد بحد ذاته. بل تكافئ حسن التقدير والصبر والتنفيذ المنهجي القابل للتكرار على المدى الطويل.

غياب إطار عمل حقيقي لإدارة المخاطر

وهنا تحديدًا يفشل معظم محتوى التداوُل المُنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فشلًا كبيرًا في خدمة الناس. إذ يخصِّص وقتًا كبيرًا للحديث عن نقاط الدخول، ويكاد لا يتطرق إلى كيفية البقاء في السوق.

فكثير من المتداولين الخاسرين لا يفشلون لأنَّهم غير قادرين على تمييز نمط ما على مخطَّط الأسعار. بل يفشلون لأنَّهم:

●  يخاطرون بمبلغ كبير جدًا في صفقة تداوُل واحدة

●  ينقلون مستوى وقف الخسارة إلى مسافة أبعد عندما يتحرَّك السعر ضدهم

●  يجنون الأرباح مبكرًا لكنهم يتركون الخسائر تتفاقم

●  يواصلون التداوُل مباشرةً بعد تكبُّد خسارة كبيرة

●  لا يمتلكون أي منهجية معتمدة تُحدد حجم الصفقة وحدود المخاطر وآلية مراجعة الأداء

وهذا الجانب نادرًا ما يظهر في لقطات الشاشة للصفقات الرابحة المنتشرة على وسائل التواصل فوجود نقطة دخول جيدة غير كافٍ، ولا يحمل قيمة عالية إذا كان مستوى المخاطرة عالٍ جدًا.

يتوقَّعون الربح من التداوُل قبل اكتساب الخبرة فيه

وهذه حقيقة غير سارَّة أخرى. فالمبتدئون غالبًا ما يدخلون عالم التداوُل بتوقُّعات تحقيق دخل تناسب محترفًا متمرسًا، لا شخصًا ما يزال في المرحلة الأولى من رحلة تعلُّم مهارة صعبة للغاية.

وفي أي مجال آخر تقريبًا، سيبدو هذا التوقُّع غير واقعي. فلا أحد يتوقَّع أن يصبح محاميًا كفؤًا أو جرَّاحًا أو طيارًا خلال بضعة أشهر لمُجرَّد أنه شاهد مقاطع فيديو واشترى برنامجًا. لكن التداوُل يُسوَّق بطريقة مختلفة، ولذلك يتعامل كثير من الناس مع رحلة التعلُّم وكأنَّها أمر اختياري. لكن الواقع مختلف.

البحوث الأكاديمية لا ترسم صورة أكثر وردية

فبيانات الإفصاح الصادرة عن منصَّات الوساطة الماليَّة ليست الإشارة التحذيرية الوحيدة. فالبحوث الأكاديمية تشير إلى الاتجاه نفسه.

فقد وجدت دراسة صادرة عن جامعة كاليفورنيا في بيركلي (UC Berkeley) حول مهارة التداوُل اليومي أنَّ الاحتمال الأساسي لتحقيق الربحية كان نحو 13%، وهو ما يعني أن نحو 87% من المتداولين اليوميين خسروا المال عمومًا في العيَّنة المدروسة. كما وجدت دراسة أخرى يُستشَهد بها على نطاق واسع حول سوق العقود الآجلة للأسهم في البرازيل أن 97% من المتداولين الأفراد (بالتجزئة) ممَّن استمروا في التداوُل اليومي لأكثر من 300 يوم خسروا المال، ولم يحقِّق سوى جزء ضئيل جدًا منهم أرباحًا كانت قريبة من مستوى دخل وظيفي عادي، وليست أرباحًا استثنائية. علمًا أنَّ هذه الأرقام ليست أرقامًا عالمية تنطبق على كل سوق أو كل أسلوب تداوُل، ولا ينبغي التعامل معها على هذا الأساس. لكن عند النظر إليها مجتمعة، فإنها تعزِّز الرسالة نفسها التي تظهر في بيانات الإفصاح لدى منصَّات الوساطة الماليَّة، ألا وهي: تحقيق الربحية المستدامة في التداوُل النشِط لدى المتداولين الأفراد (بالتجزئة) أمرٌ نادر.

وهذا التفصيل الدقيق مهم، فقد تغطي الدراسة الواحدة سوقًا محدَّدة أو فترة زمنية معيَّنة أو هيكلية تكاليف معيَّنة أو أسلوب محدَّد من أساليب التداوُل. وهذا لا يفقدها فحواها، وإنما يغير طريقة فهمنا لهذه الفحوى. بمعنى أنَّ الاستنتاج الصحيح ليس «97% من المتداولين تمامًا يخسرون أموالهم». في حين أنَّ الاستنتاج الصحيح هو أنَّ الأدلة المستقلة تتكرر وتُشير إلى حقيقة مفادها: هذا المجال صعب، والأقلية الرابحة صغيرة.

التداوُل والاستثمار عالمان مختلفان

وهذا أحد أهم الفروق التي ينبغي على القرَّاء فهمها.

فالتداوُل يدور حول اتخاذ القرارات ضمن أُطر زمنية قصيرة. وهو قائم على ركائز التوقيت والتنفيذ وحجم الصفقة وإدارة المخاطر. أمَّا الاستثمار فعادةً ما يقوم على أفق زمني أطول وتنويع أوسع، مع الاعتماد على الزمن ليؤدي الدور الأكبر في تحقيق النتائج. وعندما يخلط الناس بين التداوُل والاستثمار، ينتهي بهم الأمر إلى مقارنة أنشطة تتطلَّب مهارات مختلفة تمامًا وتوقُّعات مختلفة تمامًا.

ولهذا السبب ينبغي ألا تُفهَم عبارة «معظم المتداولين يخسرون المال» على أنَّها «معظم الأشخاص الذين يحاولون بناء ثروة يخسرون المال». فنحن أمام فكرتين مختلفتين. فالشخص الذي يبني تعرُّضًا استثماريًا تدريجيًا طويل الأجل للأسواق الواسعة يقوم بشيء مختلف تمامًا عن المتداول الفرد (بالتجزئة) الذي ينفِّذ رهانات متكررة مُعزَّزة بالرافعة المالية خلال فترات زمنية قصيرة.

هل يمكن للمتداولين تحقيق أرباح فعلًا؟

نعم، لكن هذه الإجابة تحتاج إلى التعامل معها بحذر.

فوجود بيانات تُظهر أن الغالبية تخسر المال لا يعني أنَّ تحقيق الربحية مستحيل. بل يعني أنَّ تحقيق الربحية أمرٌ صعب بما يكفي بحيث لا ينبغي التعامل معه باستخفاف. فحتى دراسة جامعة كاليفورنيا في بيركلي (UC Berkeley)، التي تُعدُّ رؤية محبطة للمتداولين الطامحين، وجدت أنَّ بعض المتداولين أظهروا أداءً أفضل من غيرهم، ولا سيَّما أولئك ممَّن امتلكوا مؤشرات أقوى على نجاح سابق ومهارات تداوُل أكثر تطوُّرًا. وهذا يختلف كثيرًا عن التعميم السهل بالقول أنَّ «أي شخص يمكنه تحقيق الربح»، لكنها تبقى حقيقة مهمَّة، فالأقلية الرابحة موجودة. لكنها أصغر بكثير ممَّا توحي به الرسائل التسويقية.

والاستنتاج الأكثر واقعية هو أنَّ التداوُل المربح يكون عادةً نتيجة عملية طويلة غير سهلة تتطلَّب بذل الجهد والوقت. وليس نتيجة عبقرية فريدة، أو اندفاع غير محسوب، ولا تنطوي على مُجرَّد العثور على المؤشِّر الفني المثالي. بل هي نتاج مزيج من التحكُّم بالمخاطر وتركيز الاهتمام والصبر والمثابرة، إلى جانب الاستعداد للتعامل مع التداوُل بوصفه عملية منهجية لا طريقًا مختصرًا.

ما الذي تفعله الأقلية الرابحة بصورة مختلفة عادةً

إن المتداولين ممَّن يصمدون لفترة كافية ليصبحوا من أصحاب الكفاءة ويكتسبون خبرة دائمة، يشتركون عادةً في عدد من السمات.

●  فهم يفكّرون في المخاطر قبل العائدات.

●  ويتداولون بأحجام أصغر ممَّا يتوقَّعه المبتدئون.

●  ولا يحتاجون إلى التواجد في السوق طوال الوقت.

●  كما أنَّهم يتتبَّعون ما يقومون به ويراجعونه بموضوعية.

●  ويدركون أنَّ صفقة تداوُل واحدة لا تعني الكثير، لكن مئة صفقة بإدارة سيئة تعني الكثير بالتأكيد.

وبالدرجة الأولى، يتوقَّفون عن محاولة «تحقيق ربح كبير» ويبدؤون بمحاولة أن يصبحوا متداولين خبراء يصعب إقصاؤهم من السوق. وقد يبدو ذلك مملًا بعض الشيء ويُفقد الرحلة شيئًا من روح الحماس، لكنه أقرب إلى الطريقة التي يفكِّر بها المتداولون القادرون على الاستمرار فعلًا.

الهدف الأكثر واقعية في بداية رحلة التداوُل

بالنسبة لشخص جديد في عالم التداوُل، لا ينبغي أن يكون هدفه الأوَّل «سأستبدل راتبي». بل ينبغي أن يكون الحفاظ على القدرة المالية على الاستمرار لفترة كافية للتعلُّم واكتساب الخبرة.

وهذا يعني أحجام صفقات أصغر، ورافعة مالية أقل، وعددًا أقل من الصفقات، وتركيزًا أكبر بكثير على العملية نفسها بدلًا من النتيجة. كما يعني تقبُّل أنَّ المرحلة الأولى من المرجَّح أن تبدو بطيئة الإيقاع ومحبِطة حتى. فالسوق صارمة، ولا تمنح الثقة أولًا ثمَّ المهارة لاحقًا. بل يحدث الأمر غالبًا بالعكس.

وعند النظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فإنَّ الدرس الحقيقي وراء فكرة «90% يخسرون» ليس «لا تحاول أصلًا». بل هو «لا تدخل لعبة صعبة وأنت تعتقد أن الحماس وحده يكفي».

لماذا تُعدُّ بيانات الإفصاح عن المخاطر أكثر أهمية ممَّا يعتقده الناس

من السهل تجاهل تحذيرات المخاطر لأنَّها موجودة في كل مكان. لكن أهميتها تكمن تحديدًا في كونها مملَّة وموحَّدة ولا يمكن تزيينها أو التلاعب بها بسهولة.

ففي أواخر عام 2025، حذَّرت هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) مُجددًا من أنَّ عقود الفروقات (CFD) منتجات ماليَّة معقَّدة وعالية المخاطر، وأوضحت أنَّ إجراءات الحماية المفروضة للمتداولين الأفراد تمنع نحو 400,000 شخص سنويًا من تكبُّد خسائر تتجاوز المبالغ التي أودعوها، مع قيمة تقديرية لهذه الحماية تُقدَّر بمئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية من الخسائر التي يتم تجنُّبها. فهذا ليس الأسلوب الذي تتحدَّث به جهة تنظيمية عن نشاط بسيط غير محفوف بالمخاطر. بل هي نبرة جهة تنظيمية تتعامل مع فئة من المنتجات الماليَّة التي تتكرَّر فيها خسائر المتداولين الأفراد (بالتجزئة) بدرجة تتطلَّب وضع ضوابط صارمة.

ولهذا السبب أيضًا ينبغي على القرَّاء التعامل بحذر مع الوعود البرَّاقة المتعلقة بالتداوُل. فمنصَّة الوساطة الماليَّة الجادة مُلزَمة بإظهار عدد حسابات المتداولين الأفراد (بالتجزئة) التي تخسر المال. أما المحتوى الترويجي على وسائل التواصل الاجتماعي فعادةً ما يعرض لك الرابحين فقط.

الخلاصة

إذًا، هل صحيح أنَّ 90% من المتداولين يخسرون المال؟

لا يمكن التعامل مع هذا الادعاء بوصفه قاعدة عامَّة مطلقة. لكن إذا تجاوزنا الروايات الشائعة ونظرنا إلى ما تُظهره بيانات الإفصاح التنظيمية وأبحاث التداوُل بالفعل، تبقى الرسالة واضحة ومقلقة: معظم المتداولين الأفراد (بالتجزئة) يخسرون المال، ولا سيَّما في الأسواق قصيرة الأجل المُعزَّزة بالرافعة المالية. ففي حين تتغيَّر النسبة الدقيقة، تبقى الحقيقة الأساسيَّة راسخة.

ولا ينبغي استخدام ذلك لمُجرَّد إثارة الخوف أو تضخيم الصورة، بل ينبغي استخدامه لإعادة ضبط التوقُّعات. فالتداوُل ليس وسيلة سهلة لكسب المال، بل هي مهارة صعبة تُمارَس في بيئة عالية المخاطر، في مواجهة مشاركين وأنظمة تمتلك في كثير من الأحيان أدوات أقوى ورأس مال أكبر وخبرة أعمق. والمتداولون ممَّن يحقِّقون أداءً جيدًا في نهاية المطاف يبدؤون عادةً بالاعتراف بهذه الحقيقة واحترامها، لا بمحاولة الجدال حولها.

تم التحديث: أبريل 14, 2026

Nikolay Podkuyko

Over the past 12 years, I’ve worked at the intersection of trading, research, and go-to-market strategy. I’ve helped launch and scale B2C brokerage products, enter new markets, and analyze performance across user acquisition, product adoption, and trading behavior. Today, I focus on turning complex market topics into clear, practical insights — from trading terminology and risk management to strategy frameworks and asset selection.